أزمة المعطلين أصحاب الشواهد العليا ..وموقف الحكومة
كتبهاgroupe wifake ، في 19 مايو 2008 الساعة: 23:44 م

إن من يشاهد الأطر العليا المعطلة وهم يخضون نضلاتهم في شوارع الرباط يقف على عمق الأزمة التي يعيشها المغرب في مجال التشغيل، شباب في زهرة العمر وفي عز الصيف يصرخ من شدة الفقر والبطالة، في حين أن أمثالهم في الدول المتقدمة تقضي عطلها في المنتجعات الصيفية… شباب درسوا حتى حصلوا على أعلى الشهادات في شتى التخصصات العلمية والأدبية والقانونية والاقتصادية.. ثم ألقي بهم في مستنقع البطالة، لست أدري لو كان الواحد منهم يعلم مسبقا مصير شهادته ومصير جهده في الطلب والتحصيل العلمي، هل كان يجد ويجتهد ويسهر الليالي..لو كان يعلم أن جهوده ستذهب سدا؟
إحدى مجموعات المعطلين نظمت مسيرة الحفاة في شوارع الرباط، وفي مسيرة أخرى حمل المعطلون شواهدهم العليا‘DESA’: والدكتوراه إلى جانب كسرة خبز.. سلاحهم: الشهادات، ومطلبهم: الخبز
وآخرون يصيحون وينددون بسياسة الحكومة في مجال التشغيل.. حكومة عجزت عن توفير الخبز لأطرها أصحاب الشهادات العليا.
هؤلاء الأطر يقولون: إن طاقاتنا وعقولنا في خدمة وطننا. في وقت نرى الدول المتقدمة تبحث عن أمثال هؤلاء ب’الريق الناشف’ وتعمل بكل الوسائل من أجل تخريج الأدمغة المفكرة أو استجلابها من دول أخرى بالمال والإغراءات، لما للكفاءات العلمية والأدمغة المفكرة من دور فعال في قيادة قاطرة المجتمع نحو التقدم والرقي.
نحن نعلم أن بلادنا في حاجة إلى كل الأطر العليا، وإلى كل أبنائها لبناء دولة حديثة قوية، و نعلم أن الإدارة المغربية تعرف خصاصا كبيرا في الموارد البشرية، لكن المناصب المالية شحيحة، وهذا سوء في التخطيط والتدبير عند مسؤولينا الذين تقلدوا أمانة تسيير شؤوننا العامة، هؤلاء الذين منحناهم ثقتنا وصوتنا لصالحهم.
الأطر العليا المعطلة تطالب بالتوظيف المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، وتقول هذا حقها منحها إياه الدستور، ولا تطالب بغير ذلك، وترفض القطاع الخاص لأنه غير مهيكل وتغييب في الضمانات ،إنهم يخافون أن يجدوا أنفسهم –بعد سنة أو نصف سنة- في مستنقع البطالة من جديد، وتصير كالتي نكثت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
أما الحديث عن تكوين تأهيلي لهم في المعاهد العليا، فمن أجل ماذا؟ هل من أجل إدماجهم في الوظيفة العمومية؟ أم من أجل العمل في القطاع الخاص؟
أما إن كان في القطاع الخاص، فالضمانات غير متوفرة، والقطاع غير مهيكل، ولهذه الأسباب فهم يرفضونه.
ويعتبرون ما عرف ب’ مقاولتي‘ مشروع فاشل منذ البداية، ولا يستجيب لتطلعاتهم، خاصة أن تخصصاتهم ومجالات تكوينهم مختلفة في المجالات الأدبية والشرعية وغيرها…
المشكل ليس في مطالب الأطر العليا بالإدماج المباشر والفوري في الوظيفة العمومية، فالخصاص موجود والحاجة -إلى كفاءاتهم- قائمة.
المشكل في الذين يرسمون سياسات البلاد ويخططون للمستقبل- إن كان هناك من يخطط فعلا-، المسؤولون ليس لهم رؤية واضحة في قضية التشغيل، وليس لهم تصور لكيفية التعامل مع المعطلين أصحاب الشواهد العليا.
المسؤولون مرتهنون لأوامر وإملاءات صندوق النقد الدولي، الذي سار يتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤوننا الداخلية، الذي نصح بتقليص كتلة الأجور التي تثقل الميزانية، حسب زعمه، وهكذا يتساءل كل عاقل: كيف أن الخصاص في الوظائف مهول، إلى درجة أن وزارة التربية والتعليم تضطر إلى زيادة ساعات عمل مع بعض الأساتذة فوق ساعاتهم المحددة، وتضطر إلى إبرام عقود عمل مع الأساتذة المتقاعدين، وفي بعض الأقسام يحشرون التلاميذ أكثر 60 و70 تلميذ في القسم الواحد، والسبب هو قلة الأطر في وزارة التربية، وقل نفس الأمر في أكثر الوزارات.. . بل إننا نسمع عن خصاص في وزارة التربية فقط بحوالي خمسة آلاف منصب.
ثم بعد كل هذا يقال لنا إن عدد الموظفين متضخم جدا.
المشكل في سوء التدبير وفي ارتفاع أجور الموظفين السامين والامتيازات الخيالية، حتى وصل أعلى أجر ثلاثة وسبعين ضعف أدنى أجر،-حسب بعض الدراسات- وهؤلاء’ الموظفون السامون’ هم المتحكمون في مصير ‘أولاد الشعب’ بما فيهم الأطر العليا المعطلة.
أما المعطلون فهم في معانات كبيرة خاصة أن أغلبهم -إن لم أقول كلهم- فقراء، فالجامعة المغربية لا تستقبل غير أبناء الفقراء أما أبناء الأغنياء فهم يدرسون في الجامعات الغربية، ومناصبهم تنتظرهم إلى حين إنهاء دراستهم وعودتهم إلى المغرب، هذا حال ‘المحظوظين’ في بلادي. أما ‘ أولاد الشعب’ فكتب عليهم النضال والضرب بالعصي والركل بالأرجل أمام البرلمان، وأسرهم تنتظر توظيفهم حتى ينقذوها من كابوس الفقر.
هذا ويطل علينا وزير التشغيل السيد المنصوري، ويتساءل عن مطلب الأطر العليا المعطلة: هل التوظيف أم التشغيل؟ ويدعي رفض الأطر لاجتياز مباريات التوظيف، وكأنه فعلا هناك وظائف وافية كافية و المشكل هو رفض الأطر. ونسأل السيد الوزير عن عدد المناصب لأصحاب دبلوم الدراسات العليا المعمقة، والدكتوراه، التي أجريت من أجلها مباريات خلال هذه السنة؟ ونفترض جدلا أنها وجدت فهل تستوعب كل تخصصات الأطر العليا المعطلة؟ يقون إن عدد المناصب المالية المخصصة للوظيفة العمومية تصل إلى 7000 منصب، فهذا المنصب هل يستوعب خريجي البكالوريا؟ أم الإجازة؟أم المعمقة؟ أم الدكتوراه؟ في سنة حصولي على الإجازة 2004 كان عدد المناصب المخصصة لأساتذة التعليم الثانوي لمادة التربية الإسلامية: عشرة مناصب، نعم عشرة مناصب فقط، وعلى المستوى الوطني، وكان عدد الطلبة الحاصلين على الإجازة تلك السنة في شعبة الدراسات الإسلامية في كلية الآداب مكناس فقط حوالي 360مجاز.
المعتصمون في الرباط كلهم أصحاب دبلوم الدراسات العليا المعمقة فما فوق، فكم عدد المناصب المخصصة لأصحاب هذه الشهادات من بين 7000 منصب شغل؟
المعتصمون في الرباط يطالبون بتكافؤ الفرص، وأن يوظفون، حسب السلالم التي تخولها لها شهادتهم العلمية، وإذا حصل غير ذلك فهو ظلم يرفضونه.
ثم يأتي السيد الوزير ويتحدث عن برامج حكومية من شأنها تشغيل قرابة 200ألف من حاملي الشهادات العليا، ونحن نطالب بتوظيف الأطر المعتصمة في الرباط والتي لا يتجاوز عددها في أحسن الأحوال الثلاثة آلاف إطار فقط.
أم أننا سنعود إلى لعبة المصطلحات: التوظيف أم التشغيل؟ وهذا يذكرني بالمفاوضات التي كانت تجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين. يقول الإسرائيليون للفلسطينيين اتفقنا على تسليم: أراض فلسطينية وليس الأراضي الفلسطينية، فلم يتسلم الفلسطينيون لا أراض ولا الأراضي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات سار بعض الوزراء يقدم الوعود – الصادقة جدا- بتوظيف الملايين في حال فوزه في الانتخابات.ونحن نقول وظفوا المعتصمين فقط، وكما يقول المثل: عصفور واحد في اليد خير من عشرة على الشجرة.
وأنا أقسم لك بالإطار المعطل والتوظيف المنتظر إنهم لكاذبون.
وهذا صراحة استخفاف بالعقول، والحديث النبوي يقول: لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين.
ما هي حصيلة الحكومة الحالية؟ الفقر في ارتفاع، البطالة في ازدياد مهول، الخدمات الصحية أصبحت كارثية، الجريمة منتشرة، أكثر من نصف سكان المغرب أميون، حقوق الإنسان في تراجع.. ثم بعد ذلك يطلب من الشعب المغربي الإقبال على الانتخابات؟ ويطلب من الشباب الانخراط في العمل السياسي؟
لكي ينخرط الشباب في العمل السياسي، وترتفع نسبة المشاركة في الانتخابات، عليهم أن يحققوا تنمية حقيقية، ليس على الورق، بل يظهر أثرها على أرض الواقع، وأن يشغلوا المعطلين، ويحاربوا الفقر، وكفى تلك هي القضية.
أما أن يرقصوا على جراح المعطلين، ويجعلوها زادهم في الحملة الانتخابية، فهذا غير مقبول أبدا.
محمد البويسفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























