اتجهتُ نحو الشمال، اخترقتُ جبال الريف، وصلتُ إلى طنجة، أمشي في شوارعها مطأطئ الرأس. كلما اقتربت من أوروبا، زادت معاناتي، أحس بشيء يجرني إلى الوراء، يحاول منعي من المضي، منظر غريب. كنت أتقدم إلى الأمام، لكن تفكيري، ووجداني بقيا مع الأهل، رفضا فراق الأحبة. أمشي في الطريق بين حشود من الناس في ازدحام الشارع، ولكنني رغم ذلك وحيد، غريب، خطواتي بطيئة، رجلي مثقلة علي..في حيرة مع نفسي.وصلت إلى الشاطئ، على مشارف البحر التفت وها أنذا اللحظةَ أفارق بلادي، أرحل عنها، أتركها، صعب عليَّ ذلك؛ لا أطيقه.
أأرحل عن وطن فيه ولدت وكبرت، قضيت فيه أحلى الساعات بين الأهل والأحباب تحت رحمــة الأب وعطـف الأم الحنــون؟ لماذا يا نفس تهجرين مجتمعاً تقاليده وعقائده تجري مجرى الدم في جسمك، عشت فيه حتى أصبح جزءاً منكِ وأصبحتِ جزءاً منه؟
ردت نفسي قائلة: أنا أيضاً لم أشأ هجران وطني، صحيح هو جزء مني؛ فأنا لم أُريد الانسلاخ عنه، لكنه أبى أن يحتضنني، أبى أن يوفر لي لقمة عيش، بخل عليَّ بعيش زهيد…
درست على حتى حصلت على أعلى الشهادات في بلادي، ثم طرقت كل أبواب العمل، طرقت كل باب يمكنني من خلاله أن أخدم وطني، ويوفر لي كسرة خبز.. للأسف لم أجد ولو باباً واحداً مفتوحاً في وجهي، أجلس بين أقراني وأصحابي أحسّ بالنقص؛ لأنني معطل، أبي وأمي وإخوتي الصغار ينظرون إليَّ، فأقرأ في أعينهم الحاجة وواقع حالهم يقول لي: أنقذنا من غول الفقر.
وجدتُ حجتها أقوى من حجتي فاقتنعت بالرّحيل.















